منتدي لآلـــئ

التاريخ والجغرافيا وتحليل الأحداث
 
الرئيسيةالرئيسية  أحدث الصورأحدث الصور  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

 

 الخليفة الفاطمي المستنصر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الحاجة
عضو فعال



عدد المساهمات : 657
تاريخ التسجيل : 16/11/2011

الخليفة الفاطمي المستنصر Empty
مُساهمةموضوع: الخليفة الفاطمي المستنصر   الخليفة الفاطمي المستنصر Icon_minitimeالجمعة يونيو 15, 2012 10:53 pm


* الخليفة الفاطمي المستنصر

بقلم المؤرخ المقريزي *


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


سنة سبع وعشرين وأربعمائة
فيها انعقدت الهدنة بين الظاهر وبين ميخائيل ملك الروم عشر سنين متوالية‏.‏
وفيها توفي الظاهر عن استسقاء طال به من نيف وعشرين سنة في يوم الأحد النصف من شعبان فكانت مدته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما‏.‏
وكانت أيامه كلها سكونا ولينا وهو مشغول بملاذه ونزهه وسماع المغنى وأمور الدولة بيد عمته السيدة العزيز ست الملك وهي التي عدلت بالخلافة إليه عن ولي العهد أبي هاشم العباس بن دواد ابن عبيد الله المهدي وجيء بأبي هاشم فبايع والسيف على رأسه ثم جلس فكان آخر العهد به‏.‏
وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي فأدخل عليه الشهود وهو يتشحط في دمه فأشهد أنه فعل ذلك بنفسه ثم قضى نحبه‏.‏
وأقامت سيدة الملك سيف الدين الحسين بن دواس والوزير عمار بن محمد في تدبير الدولة عن رأيها حتى قتلت ابن دواس فانفرد عمار بالأمور إلى أن رتبت له في دهليز القصر من قتله‏.‏
فتحدث حسن بن موسى الكاتب والأمر لست الملك ولسانها ويدها أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي‏.‏
المستنصر
فلما ماتت السيدة ست الملك استقل الجرجرائي بالتدبير لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور أمه السيدة رصد‏.‏
ولد يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة بالقاهرة والطالع عند ولادته من برج السلطان ثمان درج والشمس فيه على خمس عشرة درجة والمشتري فيه على ست درج وعطارد فيه على اثنتي عشرة درجة والقمر في الدلو على ثلاث عشرة درجة وزحل في برج الثور على تسع وعشرين درجة والمريخ فيه أيضا على إحدى عشرة درجة والزهرة في برج الجوزاء على ثلاث عشرة درجة والجوزهر في برج السنبلة على خمس وعشرين درجة‏.‏
وبويع بالخلافة يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة والطالع عند ولادته من برج السنبلة إحدى وعشرون درجة وزحل في برج السنبلة على اثنتين وعشرين درجة والمشتري في برج الدلو على ثماني درج والمريخ فيه أيضا على اثنتي عشرة درجة والشمس في برج الجوزاء على ثمان وعشرين درجة والزهرة في برج السرطان على ثلاث درج وعطارد في برج الجوزاء على ست عشرة درجة والقمر في برج الجدي على ثماني عشرة درجة والجوزهر في برج الثور على إحدى وعشرين درجة‏.‏
وأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام‏.‏
وقام بأمره الوزير أبو القاسم الجرجرائي وأخذ له البيعة على الناس وأطلق للجند أرزاقهم وشيئا آخر على سبيل الصلة وسكنت الأمور واستقامت الأحوال وكتب له المستنصر سجلا بإقراره على الوزارة‏.‏
وفيها سير من القاهرة مبلغ ألفي دينار على يد بدوي لعمارة قنطرة الجاروفة التي منها شرب الكوفة وقد خربت وفسدت الجهات التي تحتها بفسادها‏.‏
وكانت تلك الجهات جاريةً في إقطاع العربان بالعراق فأريد بذلك استمالة من هناك إلى الطاعة فقام بنو خفاجة مع البدوي في الإنفاق على عمارة القنطرة‏.‏
فبلغ ذلك الخليفة القادر بالله أبا العباس أحمد بن اسحق بن المقتدر فلم يجد مالاً يبعثه عوضاً من المال المذكور ولم يمكنه الرد فدعته الضرورة إلى التغاضي‏.‏
فشرع البدوي في العمل ثم منع بعد ما تم منه جانب كبير‏.‏
سنة ثمان وعشرين وأربعمائة
فيها فسد ما بين نصر بن صالح بن مرداس وبين المستنصر فكاتب ملك الروم وبعث إليه بما عليه من القطيعة مع هدية فأشار عليه بالدخول في طاعة المستنصر فقبل منه‏.‏
وبعث بهدية جليلة إلى القاهرة مع وفد كبير فحصل الرضا عنه وأضيف إليه أعمال حمص ولقب بمختص الأمراء خاصة الإمام شمس الدولة ومجدها ذي العزمتين‏.‏
فشق ذلك على الدزبري متولى دمشق وأخذ في مناكدة أصحاب نصر بن صالح‏.‏
سنة تسع وعشرين وأربعمائة
فيها بعث الدزبري عساكره إلى حماة فأخذها‏.‏
وخرج شبل الدولة نصر بن صالح لدفعه فالتقيا بلطمين من عمل كفرطاب فانكسر وقتل في يوم الاثنين نصف شعبان وحمل رأسه إلى دمشق‏.‏
فبادر أخوه معز الدولة ثمال بن صالح إلى حلب وملكها من الغد وأخذ قلعتها واستخلف فيها ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس وفي المدينة خليفة بن جابر الكعبي‏.‏
وشرق بأهله ليستنجد بأخواله بني خفاجة فنزلت عساكر الدزبري على حلب وأخذت المدينة ثم قدم إليها الدزبري وتسلم القلعة في يوم الثلاثاء ثامن رمضان وأخرج منها إلى درباس واستولى على بالس ومنبج وولى قلعة لغلاميه فاتك وسبكتكين‏.‏
وعاد إلى دمشق يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة‏.‏
وعمل في طريقه على أخذ جبلة فلم يطق‏.‏
وفيها ثار علي بن محمد بن علي الصليحي في اليمن في ستين رجلا على رأس جبل وأقام دعوة المستنصر وما زال أمره يزيد حتى استولى على ممالك اليمن‏.‏
وفيها هادن المستنصر ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكن من عمارة قمامة التي فر بها الحاكم فأطلق الأسرى وعمر قمامة وأطلق عيها مالاً جل وصفه‏.‏
سنة ثلاثين وأربعمائة
سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة فيها أقيمت دعوة المستنصر بحران‏:‏ سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة‏:‏ فيها نقض ملك الروم الهدنة وأغار على بلاد حلب وعلى بلاد أفامية وكسر عسكر الدزبري المقيم هناك فخرج إليه عسكر حلب فكسرهم على أرمناز‏.‏
وكان ثمال بن صالح وعمه المقلد بالرقة مالكين لها فبعثنا إلى متملك الروم بمال وثياب فطلب منهما ابتياع الرقة كما ابتيعت الرها فضاق الدزبري ذرعاً بذلك وكتب إليهما يرغبهما ويرهبهما فأجاباه بالاعتذار‏.‏
وكان قد مضى قوم من بني جعفر بن كلاب إلى مضيق أفامية وعاثوا في أعمال الروم فمكن لهم الروم ثم أوقعوا بهم‏.‏
فبعث الدزبري عسكرا فلقي الروم فيها حماة وأفامية فظهر المسلمون عليهم وقتلوا منهم عدة كبيرة فأجمع الدزبري على النهوض إليهم فهادنوه وما زالوا به حتى سكنت الحرب بينهم وبينه‏.‏
ثم إن الجند طمعوا في الدزبري وهموا به فساروا له إلى حماة فقضى عليه أهلها فكاتب مقلد بن منقذ فحضر إليه من كفرطاب في ألفي راجل واجتمع به ومضى إلى حلب فأقام بها مريضا إلى أن مات يوم الأحد نصف جمادى الآخرة‏.‏
سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة
وبعد ما أقام بحلب اثنين وأربعين يوما قدم إليها ثمال بن صالح وعمه المقلد وحصرا القلعة سبعة أشهر وتسلماها في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وقتلا من بها‏.‏
فلما بلغ ذلك المستنصر بعث إلى ثمال الخلع والتحف وسجلا بتوليته وكان بقلعة حلب مائتا ألف دينار فأخذها ثمال‏.‏
وفيها توفى شهم الدولة ميمون صاحب السيارة في أسفل الأرض في شهر ربيع الآخر وحمل إلى مصر فوصلوا به يوم الثلاثاء تاسعه ودفن بتربته بالقرافة‏.‏
وكان من أهل الخير وحج بالناس من مصر في سنة ست وعشرين وأربعمائة‏.‏
سنة أربع وثلاثين وأربعمائة
فيها خرج بالقاهرة في شهر رجب شخص اسمه سليمان كان يشبه الحاكم بأمر الله وأدعى أنه الحاكم وبث دعاته سراً في البلاد وقصد القصر وقت خلوه من العساكر وقال للخدام‏:‏ قولوا هذا الحاكم‏.‏
فارتاع من كان في باب القصر وثارت ضجة فقبض عليه وصلب وأخذت أصحابه فقتلوا ومن جملتهم محمد بن عاني الكتامي أحد دعاته‏.‏
سنة خمس وثلاثين وأربعمائة
فيها قطع المعز بن باديس الخطبة للمستنصر ودعا ببلاد إفريقية للخليفة القائم بأمر الله العباسي فبعث إليه الخلع من بغداد على طريق القسطنطينية‏.‏
سنة ست وثلاثين وأربعمائة
فيها توفى الوزير الأجل أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي يوم الأربعاء سادس شهر رمضان‏.‏
والحاصل يومئذ في بيت المال البراني تحت يد أمين الدولة مسرة الرومي برسم النفقات ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون ديناراً ونصف وثمن دينار‏.‏
ووجد له سبعمائة صينية من ذهب وفضة ومائة ألف مثقال من العنبر وغير ذلك‏.‏
وكان عالما فطناً نحريرا وقع مرة بين يدي الظاهر لإعزاز دين الله على مائة كتاب فلم تتشابه فيها لفظة بلفظة‏.‏
وكانت مدة ولايته للظاهر والمستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر ووزر بعده أبو علي الحسن بن علي الأنباري فانفسد أمره بسبب أبي سعيد سهل بن هرون التستري وأخيه أبي ثمر إبراهيم اليهوديين‏.‏
وكان من أمرهما أن أبا سعيد هذا كان قد استخدمه الظاهر لبيوعه فباع عليه في جملة ما باع جارية سوداء تحظاها الظاهر فولدت له المستنصر فراعت ذلك لأبي سعيد وقدمته عند ولدها المستنصر لما صارت الخلافة إليه ورتبته فيما يخصها فعظم شأنه إلى أن صار ناظراً في جميع أمور الدولة‏.‏
فلما وزر الأنباري قصده أبو ثمر إبراهيم فجبهه غلام له فأحفظه وأعلم أخاه أبا سعيد فثنى رأى المستنصر عن ابن الأنباري لهذا السبب وأشار عليه أن يستوزر أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحي وكان يهودياً قد أسلم فاستوزره بعد الجرجرائي في يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رمضان ولقب بالوزير الأجل تاج الرئاسة فخر الملك مصطفى أمير المؤمنين‏.‏
وكان يهودياً موصوفاً بالبراعة في ضروب الكتابة‏.‏
ولى أولاً نظر الشم ثم خاف أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري ففر منه وقد اجتهد في طلبه فلم يظفر به‏.‏
وقدم إلى القاهرة فرعى له الجرجرائي حرمة انفصاله عن الدزبري ورقاه وأشار في مرضه بأن يستوزر من بعده‏.‏
فلما تقررت له الوزارة أملى سجل تقليده ليلة اليوم الذي خلع عليه فيه‏.‏
وتولى أبو سعيد التستري الإشراف عليه‏.‏
وقبض على ابن الأنباري وصودر حتى هلك تحت العقوبة ودفن بخزانة البنود وكان مسجوناً بها‏.‏
وكان المستنصر قد بث دعاته سراً إلى الآفاق يدعون إليه ويستميلون من تصل القدرة إلى استمالته‏.‏
فلما كان في هذه السنة دفع جماعةً منهم إلى ما وراء النهر ودعوا هناك بعد أن دعوا بخراسان فاستجاب لهم طوائف من الناس‏.‏
وحصلوا عند بغراخان أخي رسلان خان صاحب ما وراء النهر‏.‏
فلما علم بهم تلطف في الكشف عنهم بأن استمالهم وقربهم وأطمعهم أنه يريد الدخول فيما هم فيه فأنس به طائفة منهم وأرادوا أن يأخذوا عليه العهود والمواثيق فخدعهم بإطلاق المال واستخبر به ما عندهم حيث إنه أنفق عليهم في مدة سنتين ثلثمائة ألف درهم حتى اطلع على عددهم وعرف مواضعهم وهم يطالبونه باليمين والعهد إلى أن أجابهم على شرط أن يكتبوا أيمانهم ويطلعوه على باطنهم‏.‏
فكتبوا ذلك ودفعوه إليه ليتفكر به وقد كتب كتاباً على قدر كتابهم وشكله يقسم فيه بالأيمان المغلظة أنه متى انكشف له من أمرهم ما يدل على الإلحاد والخروج عن تشريع الإسلام ذبحهم بيده تقرباً إلى الله تعالى‏.‏
ثم استدعاهم وأعلمهم استجابته إلى ما دعوه إليه ورد إليهم الكتاب حتى شاهدوه وعرفوه واستعاده ليحلف به‏.‏
فلما حصل في يده أخرج الكتاب الذي كتبه وحلف أنه يفي بجميع ما تضمنه ولا يعدل عنه فوثقوا بذلك وخفى عليهم فرق ما بين الكتابين‏.‏
ثم جمعهم وقال لهم ما أتمكن من إظهار نفسي والمبادرة بنصرتكم إلا في عدد قوي فإن بلاد الترك تشتمل على ثلثمائة ألف سيف مشهور تخالف هذا المذهب فإن كنتم في عدد قويت به‏.‏
فذكروا له دعاتهم ببلاد المشرق وسموهم له وأفضوا إليه بجميع سرهم ودفعوا إليه كتبهم إلى جميع أصحابهم بما استقر العزم عليه‏.‏
ثم جمعهم وأحضر فقهاء بلده لمناظرتهم وفيهم عبد الملك بن محمد البلخي الفقيه بن محمد شيخ البلد ونصر بن عطاء وجعلهما من وراء ستر فذكر الدعاة أسرار مذهبهم على غرة منهم وغفلة بما دبر عليهم وبغراخان يستخبرهم حتى صرحوا بعقائدهم‏.‏
فأخرج حينئذ عبد الملك ونصراً وقبض على الدعاة وقيدهم ونادى في الناس ليجتمعوا وقد نصب جذعا وصلب عليه الدعاة واحدا بعد واحد ورماهم بالنشاب فقتل منهم ستة عشر رجلا وذبح منهم واحدا بين يديه ذبحه بعض عبيده فأعتقه وتصدق بمائة ألف درهم‏.‏
وتتبع كل من في أعماله من الدعاة فقبض على مائة وثلاثة وثلاثين رجلا وأوثقهم بالحديد وألقاهم في جب مظلم وكتب إلى جميع بلاد ما وراء النهر بقتل من عندهم من هذه الطائفة‏.‏
وكتب إلى بغداد بما فعله فقدم رسوله في هذه السنة فأجيب بالشكر والثناء‏.‏
وفيها سير المستنصر إلى قرواش بن المقلد أعلاماً وخلعاً فلبسها فأنفذ إليه الخليفة القائم من بغداد يعاتبه على ذلك فاعتذر ولبس السواد ورجع عن دعوة المستنصر‏.‏
اشتهر انتقاض الهدنة التي قررها الظاهر لإعزاز دين الله بين وبين متملك الروم وسعى الرسل في تقريرها بين المستنصر وبينه وكان انتقاضها على الحقيقة من مدة أربع سنين مضين‏.‏
فلما كان في ثامن ذي الحجة وردت هدية متملك الروم من القسطنطينية إلى القاهرة وقيمتها ثلاثون قنطارا من الذهب والقنطار عندهم سبعة آلاف دينار ومائتا دينار‏.‏
وكان من جملتها بغل وحصان من أحسن الدواب وأعلاها قيمة كل منهما عليه ثوب ديباج رومي منقوش ثقيل وخمسون بغلا عليها مائة صندوق مصفحة بالفضة فيها آنية الذهب والفضة منها مائة قطعة بميناء وفيها من الديباج والسندس والإبريسم والعمائم المعلمة ما لا يقدر على مثله‏.‏
فعوض عن هديته بمثلها من حق مصر ومن الجوهر والمسك والعود والطراز عمل تنيس ودمياط ما هو أكثر قيمة مما بعثه‏.‏
سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة
في سادس عشر المحرم قتل أبو علي الحسن بن علي الأنباري في خزانة البنود بالقاهرة‏.‏
سنة تسع وثلاثين وأربعمائة
فيها عمل الوزير أبو منصور الفلاحي على أبي سعيد سهل بن هرون التستري اليهودي وقتله عند خان العبيد‏.‏
وذلك أن أم المستنصر كانت جارية أبي سعيد هذا فأخذها منه الظاهر وتسراها فولدت له ابنه المستنصر فرقت أبا سعيد درجةً عليه بعد وفاة الظاهر‏.‏
وكان يخاف الوزير الجرجرائي فلم يظهر ما في نفسه‏.‏
فلما مات الجرجرائي وتولى الفلاحي انبسطت كلمة أبي سعيد في الدولة بحيث لم يبق للفلاحي معه في الوزارة أمر ولا نهي سوى الاسم فقط وبعض التنفيذ لا غير وأبو سعيد يتولى ديوان أم الخليفة المستنصر‏.‏
فغض الفلاحي بأبي سعيد وشغب عليه الجند حتى قتلوه‏.‏
وذلك أن بني قرة عرب البحيرة أفسدوا في الأعمال فخرج إليهم الخادم عزيز الدولة ريحان وأوقع بهم وقتل منهم وعاد وقد عظم في نفسه لمعالجة النصر على بني قرة والظفر بهم‏.‏
فثقل على أبي سعيد أمره واستمال المغاربة وزاد في واجباتهم ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة‏.‏
واتفق مرض ريحان وموته فاتهم أبو سعيد أنه سمه وتجمع الطوائف المنحرفة عنه على قتله‏.‏
فركب من داره على العادة يريد القصر في يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى في موكب عظيم فلما قرب من القصر اعترضه ثلاثة من الأتراك وضربوه حتى مات‏.‏
فأمر المستنصر بإحضار من قتله فاجتمع الطوائف وقالوا نحن قتلناه‏.‏
فلم يجد المستنصر بداً من الإغضاء‏.‏
وقطع الأتراك أبا سعيد قطعاً وتناولت الأيدي أعضاءه فتمزقت واشترى أهله ما قدروا على تحصيله من جثته بمال‏.‏
وجمع الأتراك ما قدروا عليه من أعضائه ورمته وحرقوا ذلك بالنار وألقوا عليه من التراب ما صار به تلا مرتفعا‏.‏
وضم أهله ما وصل إليهم منه في تابوت وأسدلوا عليه ستراً وتركوه في بيت مؤزر بالستور وأوقدوا الشموع وأقاموا عزاءه‏.‏
فتعلقت من بعض الشموع شرارة في الستور التي هناك ومضت فيها فاحترق التابوت بما فيه‏.‏
وكان مقدار ما حصل في بيت المال البراني على يدي أبي نصر صدقة الوزير وأبي سعيد إبراهيم التستري من يوم مات الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وإلى أن قتل أبو سعيد سبعمائة ألف دينار‏.‏
والذي مات عنه الجرجرائي وهو حاصل بيت المال المذكور برسم النفقات ألف وسبعمائة ألف وستمائة وواحد وعشرون ديناراً ونصف ونصف ثمن دينار‏.‏
فصار حاصل بيت المال برسم النفقات إلى أن قتل أبو سعيد ألقى ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون ديناراً ونصف ونصف ثمن دينار‏.‏
ورد المستنصر لأبي نصر أخي أبي سعيد خزانة الخاص ولولدي أبي سعيد النظر في بعض الدواوين‏.‏
وحقدت أم المستنصر على الوزير أبي منصور صدقة بن يوسف الفلاحي بسبب قتل أبي سعيد وما زالت به حتى صرفته عن الوزارة واعتقلته بخزانة البنود‏.‏
وقيل كان صرفه في سادس المحرم سنة أربعين‏.‏
واتفق أنه لما قبض عليه وسجن بخزانة البنود وأمر بقتله بها حفرت له حفيرة ليوارى فيها فظهر للفعلة عند الحفر رأس فلما رفع سئل عنه الفلاحي فقال هذا رأس ابن الأنباري وأنا قتلته ودفن في هذا الموضع وأنشد‏:‏ ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً ضاحكٍ من تزاحم الأضداد وكان أبوه أحد الكتاب البلغاء وتولى ديوان دمشق‏.‏
ومن أحسن ما قيل في أبي سعيد وقد كره أذاه للمسلمين أنه كان يحلف‏:‏ وحق النعمة على بني إسرائيل قول الرضي فيه‏:‏ يهود هذا الزّمان قد بلغوا غاية آمالهم وقد ملكوا العزّ فيهم والمال عندهم ومنهم المستشار والملك يأهل مصر إنّي قد نصحت لكم تهوّدوا قد تهوّد الفلك وفيها استقر في الوزارة بعد الفلاحي أبو البركات الحسين بن عماد الدولة بن محمد بن أحمد الجرجرائي ابن أخي الوزير صفي الدين ولقب بالوزير الأجل الكامل الأوحد علم الكفاة سيد الوزراء ظهير الأئمة عماد الرؤساء فخر الأمة ذي الرئاستين صفى أمير المؤمنين‏.‏
وفيها ابتدأ أمر أبي محمد الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري‏.‏
وكان من خبره أن أباه علي بن عبد الرحمن كانت له حال واسعة ببلد يعرف بيازور من ضياع فلسطين وكان مقدماً فيها فلما كبرت حاله انتقل إلى الرملة واستوطنها وصارت له وكلاء في الضياع‏.‏
فاشتهر هناك وعرف بالعفة والصدق وسماح النفس فرد إليه قضاء بعض أعمال الرملة‏.‏
ونشأ له ابنان نجيبان ولي أحدهما الحكم بعد أبيه إلى أن توفى ثم خلفه أخوه عبد الرحمن هذا من بعده فعرف بسعة النفس وسعة الأخلاق فاتصل بخدمة الوزير الجرجرائي فصر بذلك ممنوعاً ممن يريده بسوء‏.‏
واتفق أنه حج قبل قدومه إلى مصر فلما زار قبر رسول الله نام في الحجرة الشريفة فسقط عليه خلوق من الزعفران الملطخ في حوائط الحجرة فجاء بعض الخدام وأيقظه من نومه وقال‏:‏ أيها الرجل إنك تلي ولايةً عظيمة وقد بشرتك فلي منك الحباء والكرامة‏.‏
ثم انتقل بتلطفه وكثرة مداخلته إلى خدمة السيدة أم المستنصر فتقرب بخدمتها ولازم بابها عندما صرف عن الحكم بفلسطين يسأل عوده إلى وطنه وخدمته فيها وهو مع ذلك يواصل الوزير الفلاحي ويؤانسه فيبدأه بما في نفسه من أبي سعيد التستري فيفاوضه في التدبير على المذكور ويفتح له من العمل عليه ما يظهر له صوابه‏.‏
فثقل مكانه على أبي منذر لقربه من أم المستنصر ولمما لأنه الوزير الفلاحي وهم به ثم تراخى عنه حتى كان من أمره ما كان وأمر اليازوري في كل يوم يتزايد وحاله يقوى‏.‏
إلا أن قاضي القضاة وداعي الدعاة قاسم بن تاميلا كان يمتنع من رد الحكم إليه ببلده لما يعلم من سوء رأي أبي سعيد فيه وأنه يريد القبض عليه فكان ينحرف عنه ولا يلتفت إليه‏.‏
واتفق أن حضر قاضي القضاة ذات يوم بباب البحر من القصر على عادته في كل يوم اثنين لتقبيل الأرض والسلام أو خروج السلام عليه ويجلس معه من الشهود من جرى رسمه بذلك‏.‏
فلما جلس بباب البحر وخليفتاه القضاعي وابن أبي زكرى والشهود دخل أبو محمد اليازوري وجلس معهم فقال له قاضي القضاة‏:‏ بأمر من جلست ههنا‏!‏ أتظن أن المجالس كلها مبذولة لكل أحد أن يجلس فيها هذا مجلس لا يجلس فيه إلا من أذنت له حضرة الإمامة وشرفته به اخرج فوالله لا تضرفت على أيامي أبدا‏.‏
فخرج ورجلاه لا تكادان تحملانه فوقف بباب البحر إلى أن خرج قاضي القضاة فسار وخليفتاه والشهود معه فسار في أعقابهم وسبقهم ووقف بباب دار القاضي فلما نزل صنع له استعطافا فلم يعره طرفه وانصرف‏.‏
فلقيه القضاعي وقال‏:‏ يا أبا محمد كان يجب ألا تريه وجهك عقب ما جرى لك معه‏.‏
وفارقه‏.‏
فلقيه ابن زكرى وخطابه بجفاء‏.‏
فرد إلى داره مغموماً فوجد ثلاثين حملاً من تفاح قد وصلت إليه من ضياعه لتباع بمصر فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير ولقاضي القضاة خمسة أحمال وللقائد الأجل عدة الدولة رفق خمسة أحمال ولمعز الدولة معضاد خمسة أحمال ولابن أبي زكريا ثلاثة أحمال وللقضاعي خمسة أحمال وفرق حملين على حراسهم‏.‏
فلم يلتفت أحد منهم إليه ولا عطف عليه ما خلا القائد الأجل عدة الدولة رفق فإنه شكره وأثنى عليه‏.‏
وهو مع ذلك يقف بباب البحر فإذا أقبل عدة الدولة رفق يريد القصر تلقاه وسلم عليه فيكرمه ويسأل عن حاله ثم يدخل إلى القصر فإذا خرج وجده واقفاً على حاله فيسلم عليه ويتبعه إلى داره فإذا دخل انصرف عنه‏.‏
فأقام على ذلك أياما فخف على قلبه ورغب في اصطناعه فصار إذا وصل إلى داره أمره بالنزول معه فينزل ويتحدثان وكان حلو الحديث فيطيل عنده ثم ينصرف‏.‏
فصار يشتاقه إذا غاب ويمسكه إذا أراد الانصراف حتى تحضر المائدة‏.‏
وكانت أم المستنصر لما هلك أبو سعيد توقفت أمور خدمتها فأحضرت أخاه وأمرته بخدمتها فامتنع خوفا من الوزير والأتراك واستمرت ثلاثة أشهر تسأله وهو يمتنع‏.‏
فحضر أبو محمد اليازوري يوماً فجلس عدة الدولة رفق وجرى بينهما امتناع أبي نصر أخي أبي سعيد من خدمة أم المستنصر فقال له رفق‏:‏ أرى أن تكتب رقعة تلتمس خدمتها وتعرض نفسك عليها‏.‏
فقال أبو محمد‏:‏ قد كنت أظن جميل رأيك فيّ وإيثارك مصلحة حالي وأكذبني ظني‏.‏
فقال‏:‏ بماذا فقال‏:‏ الهزء بي فإني قد أجهدت في العود إلى قرية كنت فيها فبخل علي بها‏.‏
فكيف أتعرض لهذا الأمر الكبير ومناوأة الوزراء‏!‏ فقال له‏:‏ أما ترضاني سفيراً لك في هذا الأمر وعلي استفراغ الوسع فيه لوجوب حقك علي فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض في ذلك فقد أدركنا ما نؤثره وإن تكن الأخرى فقد أكثر من العطلة ما تحصل‏.‏
فأجاب إلى ذلك وكتب إلى السيدة رقعة يعرض نفسه وماله عليها ويخطب خدمتها ويبذل الاجتهاد فيها وأخذها منه رفق‏.‏
فلما كان من الغد ركب إلى القصر ودخل إلى السيدة وقد أحضر أبو نصر وعاودته الخطاب في خدمتها وهو يمتنع حتى أضجرها فانتهز عز الدولة رفق الفرصة بضجرها وقال‏:‏ يا مولاتنا قط طال غلق بابك ووقف خدمتك في امتناع الشيخ أبي نصر مما نريده منه وههنا من أنت تعرفينه وهو رجل مسلم وقاض وكبير المروءة وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرض لما لك وهو ثقة ناهض كاف فقالت‏:‏ من هو فقال القاضي أبو محمد اليازوري وهذه رقعته‏.‏
فأمرته بتسليمها إلى أبي نصر وقالت‏:‏ ما تقول فيه فلم يصدق بذلك‏.‏
فقال يا مولاتنا هو والله الثقة الأمين الناهض الذي يصلح لخدمتك وفيه لها جمال وما تظفرين بمثله‏.‏
فوقع ذاك منها بالموافقة‏.‏
فقال لرفق‏:‏ قل له يجلس في داره غداً حتى أنفذ إليه فسر بذلك وخرج فإذا أبو محمد في انتظاره على عادته فسار ولحق به أبو محمد فقال له‏:‏ أقمح أم شعير فقال‏:‏ بل بر يوسفي وقص عليه الخبر‏.‏
فلما كان الغد جاء الرسول مستدعياً له فركب إلى بابها فأحضرته وأدخلته وراء المقطع وردت إليه أمر بابها والنظر في ديوانها الذي هو باب الريح وجميع أحوالها ونزل‏.‏
فبلغ ذلك الوزير فكبر عليه وأقلقه أن تم على غير يده وأنه لا يقبل قوله عند السيدة لما في نفسها منه لقتل أبي سعيد‏.‏
وأقبل الأمراء الأتراك إلى القاضي أبي محمد فهنئوه بما صار إليه فقام إليهم وتلقاهم وأعظم سعيهم إليه وشكرهم وقال‏:‏ ما أنا إلا خادم ونائب لموالي الأمر أسأل في تشريفي بما يعين لهم من خدمة لأنهض فيها‏.‏
ثم لما قاموا نهض قائما لوداعهم‏.‏
وأخذ الوزير الفلاحي في العمل عليه فلم يمض إلا أيام حتى قبض عليه وقتل


-- يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الخليفة الفاطمي المستنصر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» الخليفة الفاطمي المعز
» الخليفة الفاطمي العزيز
» الخليفة الفاطمي الظاهر
» الخليفة الفاطمي المستعلى بالله
» الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي لآلـــئ :: الفئة الأولى :: التاريخ الوسيط-
انتقل الى: